الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
157
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
جملة " أجمعوا " تدل على أن جميع الإخوة كانوا متفقين على هذه الخطة ، وإن لم يتفقوا جميعا على قتله . وأساسا فإن كلمة " أجمعوا " مأخوذة من مادة " جمع " وهي في هذه الموارد إشارة إلى جمع الآراء والأفكار . ثم تبين الآية أن الله أوحى إلى يوسف وهدأ روعه وألهمه ألا يحزن فالعاقبة له ، إذ تقول : وأوحينا إليه لتنبأنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون . ذلك اليوم الذي تجلس فيه على العرش وأنت القوي الأمين ، فيأتي إخوتك ليمدوا أيدي الحاجة إليك ، ويكونوا كالظامئين إلى النبع العذب في الصحراء اللاهبة ويسرعون إليك في منتهى التواضع ، ولكنك في حال من العظمة بحيث لا يصدقون أنك أخوهم ، وستقول لهم في ذلك اليوم : ألستم الذين فعلتم مع أخيكم الصغير يوسف كذا وكذا . . . وكم سيكونون خجلين من فعلهم هذه في ذلك اليوم ! وهذا الوحي الإلهي لم يكن وحي النبوة ، بقرينة الآية ( 22 ) من السورة ذاتها ، بل كان إلهاما لقلب يوسف ليعلم أنه ليس وحيدا ، بل له حافظ ورقيب ، وهذا الوحي بث في قلب يوسف نور الأمل وأزال عن روحه ظلمات اليأس والحيرة . لقد نفذ إخوة يوسف خطتهم كما أردوا ، ولكن ينبغي أن يفكروا عند العودة ماذا كيف كي يصدق أبوهم أن يوسف إنتهى بصورة طبيعية لا عن مكيدة ليضمنوا عواطف أبيهم نحوهم . وكانت الفكرة التي أوصلتهم إلى هذا الهدف هي ما تخوف أبوهم منه ، فأقنعوه - ظاهرا - عن هذا الطريق مدعين بأن الذئب قد أكل يوسف وجاؤوا إليه بدلائل مزيفة ! ! يقول القرآن الكريم : وجاءوا أباهم عشاء يبكون بكاء كاذبا ، وهذا يدل على أن البكاء الكاذب ممكن . . ولا يمكن أن يخدع ببكاء العين وحدها . أما الأب الذي كان ينتظر مجيئ ولده ( يوسف ) بفارغ الصبر ، فقد اهتز